فوزي آل سيف

29

إنهما ناصران : خديجة وأبو طالب

فإذا كانت في الجاهلية تسمى بالطاهرة، فما ظنك بها في الإسلام، فكيف إذا صارت زوجة لرسول الله صلى الله عليه وآله؟! خصوصاً أن الجاهلية لم تكن تنظر إلى كثير من الانحرافات نظرة سيئة، فإننا نجد أن مثل أبي سفيان يأتي بشكل واضح ويقول لأحدهم التمس لي بغيًّا[54]. وهكذا كانت بيوت الدعارة، وذوات الأعلام.. فما كانت تلك الانحرافات شيئا ناشزاً، (إلا من وجود بعض المتحنثين، والسائرين على ما تبقى من شريعة إبراهيم الخليل). فلو نظرنا إلى ذلك الوضع، من امرأة مالكة لأمرها، وثرية جداً، والجو يساعد على الانحراف، ومع ذلك تأتي في ذلك الوضع وتعرف بلقب الطاهرة.. هذا أمر ينبغي التفكير فيه جدياً. شاءت إرادة الله أن تكون هذه المرأة الطاهرة، منجبة لأولاد الرسول، كما أشار إليه الرسول في بعض أحاديثه أنه رزقني الله الولد منها وحرمني من غيرها، مع ملاحظة وجود ثمان نساء أخريات له، فيهن الثيبات والأبكار، ومنهن من أنجب قبل زواجها من رسول الله، أي لم تكن عقيمات، وفيهن من بلغن الدرجات العاليات من الإيمان والخلق، وقد بقين معه فترة طويلة يمكن معها الإنجاب، وكان الرسول يقوم بواجب كل واحدة الزوجي. ولكن هذه خصيصة خديجة وميزتها، والنعمة التي حباها الله بها دون غيرها، أن يكون أبناء رسول الله وذريته منذ ذلك الوقت إلى يوم القيامة، جدتهن الكبرى خديجة. ما هو سبب ذلك؟ ينبغي أن نفكر في مقالة النبي «حين كذبني الناس، حين حرمني».. مسألة التوقيت والـ (حين) لها أهمية عالية، وله الأثر الأكبر بحيث لو تقدم أو تأخر ربما لم يكن نافعاً أصلاً، أو لم يكن نافعاً النفع الأكبر، فلو أن شخصاً كان عطشاناً عطشاً يودي به إلى الموت، فهناك لحظة ينفعه وصول الماء حينها، أما لو تأخر هذا الماء عن الحين والوقت المناسب ووصل بعد يوم مثلاً، لما كان نافعاً أصلاً. عندما يأتي للنصرة أحد ولكن بعد كثرة الناس، فهذا وإن كان نافعاً إلا أنه ليس كما تكون النصرة حين القلة والضعف، وخصوصاً أنه في هذا الوقت يكون التراجع وعدم تحمل المسؤولية.. لماذا نجد أن يوم الدار يعتبر فضيلة ومنقبة لأمير المؤمنين عليٍّ عليه السلام؟ إن ذلك بالنظر إلى الظرف والوقت الذي كان فيه رسول الله، فإنه كان يعيش في مجتمع مكذب، وفي عائلة معارضة لدعوته، ومع أعمام جاحدين – إلا القليل منهم – هنا كان موقف النصرة والاستجابة يعدل مئات المواقف عندما تتغير الظروف.

--> 54  ذكره ابن عساكر في تاريخ مدينة دمشق 19/ 173 فقال: وكان أبو سفيان صار إلى الطائف فنزل على خمار يقال له أبو مريم السلولي وكانت لأبي مريم بعد صحبة فقال أبو سفيان لأبي مريم بعد أن شرب عنده قد اشتدت به العزوبة فالتمس لي بغيا! قال: هل لك في جارية الحارث بن كلدة سمية امرأة عبيد؟ قال هاتها على طول ثدييها وذفر إبطيها فجاء بها إليه فوقع لها فولدت زيادا فادعاه معاوية.